wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الخميس, 02 مايو 2013 11:29

ساق البامبو.. الاغتراب بزوايا مدوّرة

كتبه

رولا عبد الله

تستأهل رواية «ساق البامبو» للكاتب الكويتي سعود السنعوسي الجوائز التي حصدتها، والتي كان آخرها الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) التي نالها قبل أيام في أبوظبي، لما تزخر بتقنيات سرد «ولّادة» للحكايات بضمير المتكلّم الذي هو أقرب إلى القارئ، ولغة ومبنى يفردان جناحيهما بخفّة على زمانين ومكانين وإشكاليتين وبيئتين.

 

تطرق الرواية أبعد من قصة بطل ينجح في الزواج من حبيبته آخر الأمر، أو أنه يخفق، فإلى جانب سكرات الحب والاشتياق والتضحية، هي حياة فيها الدين والسياسة والعلم والفكر والفلسفة والمقاومة والانتماء. يتنقّل بطلها «هوزيه» أو «خوسيه» أو «عيسى» على خط الفلبين ـ الكويت مراكماً عمراً من القهر والخيبات والفقر المدقع بانتظار «الجنة الموعودة»، لكن جذور البامبو الخضراء التي في العادة تنبت في أي أرض تغرس فيها سيقانها المبتورة، تراها لا تعمر في أرض ما زالت تسقيها الأعراف الاجتماعية ويسيّجها عدم قبول الاختلاف الطبقي. فإذا بالروائي يهرب إلى لعبة حبكها بالتواطؤ مع المترجم الذي اختار له اسم ابراهيم سلام، والمدققة اللغوية خولة الطاروف التي هي شقيقته في الرواية، وبذلك يتنصّل من وزر الإشكاليات التي يطرحها وبينها إثارة قضية البدون ومقاربته للأديان والعنصرية المستشرية في المجتمعات المتفاوتة الطبقات.

في التمهيد لعمله الروائي الذي يظهر نضجاً وبراعة في الانتقال بين الزمان والمكان في حبكة كرونولوجية موفقة، يستهل الرواية بمقولتين يعكّز عليهما. الأولى للروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل الذي يطل بدوره في الرواية على أرض الفلبين: «علاقتك بالأشياء مرهونة بمدى فهمك لها»، والثانية لبطل الفلبين القومي خوزيه ريزال الذي ألهب إعدامه الثورة ضد الاحتلال الإسباني، إذ يقول «لا يوجد مستبدون حيث لا يوجد عبيد». والأخير يسيّر البطل بحكمته في كثير من المواقف التي يبدو أنه تشربها ليطغى انتماء البطل إلى أرض أمه بعد أن لفظته عائلة والده الحريصة على اسم العائلة وتاريخها من أن يلوثها حفيد يحمل دم أمه الخادمة الفلبينية.

فصول الرواية ستة، ينطلق بها «هوزيه» ومعه الكاتب في «لعبة» تبادل أدوار تكاد توقع الشك لدى القارئ بخصوص هوية الراوي. يستهل الفقرة الأولى بتوضيح يكشف سريعاً ذلك التيه الذي يعيشه البطل على الحدود بين الفلبين والكويت، على الرغم من المسافة الجغرافية التي تباعد بينهما، إذ يعترف في أوّل فقرة في الرواية: «اسمي Jose، هكذا يكتب. ننطقه في الفلبين، كما في الإنجليزية، هوزيه. وفي العربية يصبح، كما في الإسبانية، خوسيه. وفي البرتغالية بالحروف ذاتها يكتب، ولكنه ينطق جوزيه. أمّا هنا في الكويت، فلا شأن لكل تلك الأسماء باسمي حيث هو... عيسى». ويرفق اعترافه بإشكالية الرواية: «كيف ولماذا؟ أنا لم أختر اسمي لأعرف السبب. كل ما أعرفه أنّ العالم كله اتفق على أن يختلف عليه». أمّا السبب، فذلك الفارق الطبقي بين والدته الخادمة الفلبينية جوزفين ميندوزا التي جاءت للعمل خادمة في الكويت هرباً من مصير أختها آيدا التي أجبرها والدها على ممارسة الدعارة لتمويل مراهناته على صراع الديوك، وبين والده «راشد الطاروف» المثقف الذي حاول الاحتفاظ بابنه البكر لأشهر قليلة قبل أن يستسلم لتهديدات أمه.

في الفلبين أمضى الابن 18 عاماً لا يعرف شيئاً عن والده الذي انقطعت أخباره، وبقيت الأم على وعدها للأب بإعادة الابن إلى الكويت «الجنّة الموعودة» ريثما يحين الوقت المناسب للاعتراف به من قبل العائلة. إلا أنّ الوالد يقضي في حرب الخليج الثانية تاركا وصيته في عهدة زميله «غسان» الذي ينجح في إعادة «هوزيه» إلى الكويت مصطدماً برفض العائلة إعطاء الشرعية الاجتماعية للحفيد الذي يختصر هويته بالآتي: «أنا عيسى ابن الشهيد، اسم يجلب الشرف، وجه يجلب العار».

في أحضان عائلة جده لأمّه الذي اختبر فيه الذل والفقر، وفي البيئة الفلبينية المعتنقة للمسيحية القادمة من احتلال أوروبي والبوذية التي كانت الديانة الأصلية، كان الحفيد معروفاً بلقب ال:»Arabo»، خلافا لما صار اسمه في بلد والده ال:»Philipino». وفي البلدين اللذين لفظاه، يوجز الراوي محطات وعادات من تاريخ البلدين. يعرّي الثغرات في المجتمع على اعتبار أنّ «كل طبقة اجتماعية تبحث عن طبقة أدنى تمتطيها».

ولأن أمّه أرادت لابنها حياة ليس فيها انشطاراً في الهوية، أخذت تعده بمغريات العودة هو الذي كتب واصّفاً حاله الذي يشبه حال نبتة البامبو: «لماذا كان جلوسي تحت الشجرة يزعج أمي؟ أتراها كانت تخشى أن تنبت لي جذور تضرب في عمق الأرض ما يجعل عودتي إلى بلاد أبي أمراً مستحيلاً؟ ربما، ولكن حتى الجذور لا تعني شيئاً أحياناً. لو كنت مثل شجرة البامبو، لا انتماء لها. نقتطـع جزءاً من ساقها.. نغرسه بلا جذور في أي أرض.. لا يلبــث الساق طويلاً حتى تنبت له جذور جديدة تنمو من جديــد في أرض جديدة. بلا ماض، بلا ذاكرة لا يلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته. كاوايان في الفلبين، خيزران في الكويت، أو بامبو في أماكن أخرى».

في الكويت يضع الراوي ما حصل مع «هوزيه» برسم مجتمع بحاجة إلى إعادة الاعتبار للآخر المختلف. يسجّل حادثة تعنيف الابن العائد من قبل موظّف الجوازات الذي يصرخ به قبل أن يصل إلى الشبّاك المخصص للكويتيين. يشير له بإصبعه أن ينتقل للوقوف في الناحية المقابلة، وهي المخصصة بالوافدين قبل أن يتبيّن بأنّه كويتي. وفي غرفة منفية عن منزل جدته، يختبر السجن النفسي وتردد جدته بالاعتراف به على الرغم من كونه يحمل صوت والده نفسه، فينتهي الصراع بإعادته إلى الفلبين، حيث يتزوج ابنة خالته التي نشأت مثله من دون أب نتيجة علاقة عابرة لسائح أوروبي أخذت منه لون بشرتها وعينيها الزرقاوين.

تشدّ الرواية القارئ إلى تتبع أحداثها، ولا سيما تلك التأملات والمقتطفات التي يطلقها الكاتب في فضاء الرواية مزيّناً بها نصّه، ومنها قول يحمّله لوالدة «هوزيه»: «كل شيء يحدث بسبب ولسبب»، وللبطل الذي يؤمن: «إن لفظت الديار أجسادنا... قلوب الأصدقاء لأرواحنا أوطاناً»، و»ليست الحرب هي القتال في ساحة المعركة، بل تلك التي تشتعل في نفوس أطرافها. تنتهي الأولى، والثانية تدوم». ولا ينسى تطعيم نصه بقدر من أقول ريزال وبينها: «الشك في الله يعني الشك في ضمير المرء، وهذا يؤدي إلى الشك في كل شيء».

«ساق البامبو» رواية صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون في نحو 400 صفحة من القطع الوسط، وتستحق قراءتها بمتعة وعناية كما استحقت الجوائز التي نالتها، وآخرها (البوكر العربية).