wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

د.محمد الشحات

د.محمد الشحات

ناقد وأكاديمي مصري

يوم آخر من النعيم

د.محمد الشحات  

أتصوّر أن جزءًا كبيرًا من بلاغة قصيدة النثر -مع تحفظّي الضمني علي مصطلح "البلاغة" بحمولته المعرفية المشدودة بقوة إلي مفاهيم التراث العربي المرتبط بصياغة وإنتاج تصوّرات قديمة عن الشعر والشعرية والشاعرية- هو قدرتها الدائمة علي التجدّد وممارسة اللعب والمراوغة التي لا تهدأ، إلي الحد الذي قد تصنع معه قصيدة نثرٍ ما الكثير من الدهشة، كما تصنع قصيدةٌ نثريّةٌ أخري الكثيرمن الصدمة المباغتة، خصوصا لدي قارئ تقليديّ الذائقة اعتاد أن ينتظر من القصيدة أن تكون ذات بداية ووسط ونهاية علي طريقة التصور الأرسطي للنوع الأدبي (سواء الغنائي أو الدرامي أو الملحمي).

إقرأ المزيد...

أشباح الحواس: بدائل الواقع في الرواية المصرية

1-3

يكمل إبراهيم فرغلي بمجموعته القصصية "أشباح الحواس"(5) مسارًا سرديا كان قد بدأه بكتابيه السابقين "اتجاه المآقي" (قصص) و"كهف الفراشات" (رواية)، على الرغم من انحراف الخط السردي في بعض قصص مجموعته الجديدة عن عالمه الذي طرحته كتابته السابقة، إلى حدّ ما(6). فكتاباه السابقان يلحّان، بعوالمهما الغرائبية، أو لنقل بلغة تزفيتان تودوروف "العجائبية"، وشخوصهما الممسوسة والمخدَّرة، على اكتشاف لذّة السردي عبر اكتشاف تفصيلات اليومي والواقعي، أو حتى الغرائبي الذي يكاد يبلغ حدّ الجنون(7). تتكون مجموعة "أشباح الحواس" من إحدى عشرة قصة، أو صورة سردية، تمتلئ بعلامات وصور وثيمات وفضاءات مُغوية، تستعين بعدد من الدوال المتناثرة بين صفحات قصصها، تؤكد كلها، في نهاية المطاف، ذلك الدالّ الأكبر الذي تحمله المجموعة في عنوانها "أشباح الحواس"؛ أقصد إلى دوال من قبيل: "أشباح"، "عفاريت"، "بوم"، "حمام"، شبق، ليبيدو، تأوهات هستيرية، مصّ واشتهاء، تحولات وامتساخات (ميتامورفوسيس)، مقاطع من أغانٍ وقصائد، أصوات لأشباح ومَرَدة، ضحكات لقُرَناء مختفين،.. إلخ. يبدو هذا العالم، بالنسبة إلى من سوف يبلغ القصة الأخيرة "فارق التوقيت"، عالما متصل الوجوه والمفردات والملامح، بل وكذلك سمات الشخصيات والرواة والأمكنة، بحيث يمكن تفسيره، وتأويله، عبر قراءته له مجزّءًا بطريقةٍ لا تخضع لترتيب المؤلف حسب مقصده، بل بطريقة مغايرة تمامًا تخدم، في المقام الأول، هدف التفسير، وتؤكّد - بالدرجة الثانية - على رغبة القارئ الجامحة في تأويل ما ينتجه هذا العالم المغوي من دوال وعلامات وصور وثيمات سردية تدفع بقارئها نحو الدهشة، أو الإثارة، أو الخوف، أو الطابو، أو التيه، .. إلخ.

إقرأ المزيد...

الأنساق الثقافية المُضْمَرة: تأمّلات نقديّة في كتابة منصورة عزّ الدين

 

 -1-

في المرحلة التي أعقبت ما بعد الحداثة، بدأ النقد الثقافييتجه نحو وظيفة "التفسير/التأويل"، سعيا إلى إلقاء الضوء على ما وراء النصوص؛ أي ما يتوارى خلف "الخطاب discourse" من أنساق مضمرة وتشكيلات خطابية مسكوت عنها. فالتاريخ نص، والنص ليس إلّا تاريخًا بمعنى من المعاني. وبلغةٍ أخرى، فالتاريخ سرد والسرد تاريخ، أو هومقولة أو فئة سردية narrative category، بمعنى واسع لبعض "اللاوعي السياسي" الذي ألحَّ عليه فريدريك جيمسونFredric Jamesonكثيرا في كتاباته. لقد تنبّه كثير من الباحثين إلى هذا الأمر، وصرنا نسمع عن التاريخانية الجديدة والماركسيين الجدد، كما تردّد كثيرا القول إن النقد الثقافي لا موضوعَ محددًا له، كما أنه لا يتمتّع بتعريف محدّد أيضا؛ إذ تنهض دراسات النقد الثقافي على تحليل الممارسات الخطابية التي تأتي إلينا في شكل أبنية أدبية مرتبطة بمفهومي "المعرفةKnowledge" و"السلطةPower" معًا. وما يفعله النقد الثقافي، أو الناقد الثقافي بالأحرى، هو أنه يحفر في المضمرات الدلالية الكامنة وراء أي خطاب جمالي ظاهر. ولأن هذا الخطاب الجمالي الذي يتجلّى عبر مفهوم "المتن" أو "النص" قد صنعته "المؤسسةInstitution" -بعلاقات إنتاجها المعقّدة والمختلفة، والمنحازة سلفًا- فلابد من توجّه الباحث الثقافي نحو إلقاء الضوء على علاقة المعرفة بالسلطة والمؤسسة اللتين أسهمتا في تشكيل هذا الخطاب الجمالي أو ذاك، على نحو من الأنحاء دون غيره. وليس "النص"، في النقد الثقافي، سوى وسيلة لاكتشاف حيل الثقافات وألاعيبها في تمرير أنساقها وتبطين السرود والنصوص بغاياتها الضمنية لا المعلنة. وهذه نقلة نوعية في مَهَمّة (أو وظيفة) العملية النقدية؛ ذلك أن الأنساق هي المراد الوقوف عليها بالتفسير والتحليل والتأويل وليست النصوص في حدّ ذاتها. من هنا، لن يصبح "النص"، في ضوء مفهوم النقد الثقافي، معزولًا بصفة كلية عن علاقات إنتاجه التاريخية والاجتماعية والثقافية، ولا عن نسقه التأثيري والمصادر التي يمتاح منها كي يكتسب وجوده وهويّته، كما اعتادت أن تقوم بذلك الكثير من المناهج الشكلانية والأسلوبية والبنيوية، وغيرها من المناهج النصّية Textual Methods بصفة عامة؛ فمُضْمَرات الخطاب فعل إنساني تاريخي متأثّر بالمجتمع ومؤثّر فيه بالقدر نفسه.

إقرأ المزيد...