wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الجمعة, 11 مايو 2018 19:07

الصعود للأمام

كتبه

أحمد ثروت

شُبّه لي أن الأجساد حولي تغني بصوت "كارم محمود" المنغّم: "أمانة عليك يا ليل طوّل، وهات العمر مِ الأول".

وبينما تتمايل الأشجار والبيوت تبعاً للإيقاع المتناغم، وتتراقص الشوارع والحواري الضيقة منتشية، كنت أنا أتجاوز مدخل العمارة ذات الطوابق السبع؛ أصعد درجات قليلة بعدها مساحة مسطحة ثم درجات قليلة تصلني لباب المصعد العتيق كساقية مهجورة، أقف متسمراً أمامه للحظات أتذكر نصائح الأصدقاء بالذهاب أولاً للطابق الخامس لأحصل على التأشيرة التي تسبق أي اجراء وتحدد مساري، أخذت أراقب الزر الأحمر المربع وهو يشير بسهم للأعلى ثم دائرة حمراء ثم سهم للأعلى، وهكذا .

بدأ الناس يقفون خلفي و حولي في انتظار هبوط المصعد وفتح الباب المأمول؛ لكنني اتخذت حذري سريعاً فضيّقت المسافة بيني و بين الباب المغلق والتفتُ بزاوية حادة نحو مقبض الباب في انتظار الوصول. حركتي المحسوبة أربكت الرجل الخمسيني ذو الكرة الضخمة الملتصقة به من الأمام ؛ فقد كان يتجاوز الواقفين واحداً بعد الآخر متجهاً نحوي في ترقب حذر، لكنني كنت مستعداً تماماً لخطوته؛ فقطعت عليه الطريق ليثبتَ مكانه خلفي مباشرة  

مضت الدقائق بطيئة لزجة مشبعة بالتحفز، والزر الأحمر مطفأ لا يُظهر أي دليل على الحركة .

كان الصف المتعرج قد ضم سبعة أفراد، لن يسعهم المصعد المسكين مترافقين بالطبع ، لكن السيدة المنقبة السمينة جاءت من بعيد هاتفة بصخب و هي تؤرجح حقيبتها الضخمة "استنى والنبي يا ابني، مش قادرة آخد نَفَسي"، ثم عبرتْ السلالم والردهة الصغيرة في ثانيتين متجاوزة كل المنتظرين، لتقف ملاصقة تماماً لجانبي الأيمن المائل نحو المقبض، كان يعبر حولنا العديد من الذين يستخدمون السلالم المتكسرة البارز حديدها ومكوناتها الأصلية؛ حيث يصعدون للطابق الأول أو الثاني أو حتى الثالث، وبين لحظة والتالية تضع المرأة إبهامها المبطط فوق الزر الأحمر وكأنها تتعجله أو تُظهر حالتها الطارئة. تلك عشرة كاملة من الدقائق مضت قبل أن يصل الباب المُنتَظَر وينفتح نحو أجسادنا للخارج؛ ليخرج من العلبة الحديدية الضخمة بضع رجال مكورون ومُدوَرون يندفعون نحونا هادمين ما قد حافظتُ عليه بروحي؛ يخرجون وتدخل السيدة ذات النقاب في نفس وقت خروج ثالثهم دافعة يديها في ظهره؛ "حرام عليكم، انتم ايه؟!.."، ثم يتسرب من الصف ورائي رجال كانوا خلفي، لأجد جسدي دون إرادة فاعلة وسطهم في المصعد الواسع.

كانت حالتي المزاجية رائقة، رأسي ثقيل ومستكن، ولن أمنح أحداً فرصة تغيير هذه الحالة أو العبث بها، فقد بلغتها بعد جهد و معاناة عظيمين استمرّا زمناً  .

تناسيتُ الصراع و ركّزت ذهني على نجاحي في دخول المصعد فعلياً؛ فلأهدأ. ولأُنهي حاجتي في سكينة دون توتر أو اضطراب.

اندفعت السيدة ذات النقاب الأسود والثوب المظلم المترهل فجأة تُوقف المصعد في الطابق الثاني ثم تُزيحنا من أمامها و تفتح الباب ثم تصفقه مُخلّفة اندهاشاً و غيظاً مكتومين، خرجتُ ورفاقي جميعاً في الطابق الخامس؛ حيث اتضح أن النصيحة التي وُجهت لي قد وُجهت لهم جميعاً وأطاعوها كما فعلت. بمجرد خطوي في الردهة الطويلة النحيفة فقدتُ إرادتي الحرة على توجيه جسدي مرة أخرى؛ فقد كان الحشد يتحرك كجسد واحد لستُ سوى خلية بسيطة فيه لا تجروء على الانفراد بقرار .

أدخلني الجسد الهائل حجرة كئيبة تسودها رائحة مكتومة كعطب دائم، قد ارتصت فيها مكاتب خشبية ومقاعد بلاستيكية وحديدية، كلها مشغولة ومُحمّلة بالأوراق والملفات؛ حيث يرقد خلفها "المدير العام" بنظارة ذات زجاج متسع يحيط أكثر من نصف وجهه و بنظرات تحتية مُقلقة، وبين أصابعه قلم أزرق لكتابة اسم الموظف المختص وآخر أحمر اللون للتأشير فوق الورقة المعروضة أمامه. كنتُ أراقب حركة يديه وكيف يتبادل القلمان موقعهما في رتابة ثقيلة وأنا أفكر في كوب القهوة السادة الذي ينتظرني مرافقاً قطعة الشيكولاتة الخام التي أهدتها لي صديقتي أمس. أتذوق و أرتشف وأتسلطن. كانت روائح العرق والملابس المتسخة قد بدأت تنفذ لأنفي مُصرّة على اخراجي من حلمي الصغير؛ فخرجتُ؛ وانتبهت لصوته زاعقاً.

-ورقك يا افندي .

بما أن توجيهه لي ولورقتي كان الاتجاه لموظف في الطابق الثاني فلم يكن هناك أي قلق من ناحيتي؛ سأهبط ثلاثة طوابق في هدوء، فالهبوط أسهل حتماً من الصعود، من الممكن أن تهبط تلقائياً، كل ما عليك هو أن تترك جسدك يتأرجح ويتهاوى في رفق، تكيّف مع التخبطات والجروح البسيطة وستصل للأسفل بسرعة لا تتوقعها، أما الصعود فصعب مجهد، ترفع ساقك ثم تحمل جسدك فوق ظهرك وساقيك، يااه، إنها عملية مرهقة جسدياً وذهنياً. الهبوط صديقي اعتدت عليه وأتقنه، أتجه للموظف المختص، يُنهي لي ما أريد، بعد أن أعطيه ما يريد، هكذا في سلاسة وسُكون نُطبق العُرف السائد دون ضغائن أو معارك استهلاكية بلا جدوى، كان الحشد الجسد الكبير قد انقسم حشوداً أقل حجماً؛ فاندمجتُ وسط حشدي واتجهنا للطابق الأدنى آملين في نهايات سعيدة .

كان صوتٌ يرّن و يزّن في أذنيّ طالباً الهدوء و الرحمة ، صوتٌ مألوف لي ؛ سمعته حديثاً و ما زال يطنّ في أذني بضخامته و الهواء المكتوم حوله ؛ كانت ذات النقاب ، إنها المسئولة عن استلام طلبي و إنهاء أوراقي في هدوء لم أعد أنتظره أو أتوقعه ، بدأت صورة كوب القهوة المضاعف  تتلاشى من أمام عينيّ ؛ أما المرأة الضخمة فقد نظرت لي نظرة الفاحص الباحث عن خطأ أو زلّة ، و رغم أن كل ما طلَبَتْه كان مجهزاً معي إلا أنها أصرّت على تغيير تأشيرة " المدير العام " و تحويل ورقي لزميلها

 "الذي يجلس بلا عمل في الدور السابع"  كما قالت و هي ترفع صوتها أكثر .و هكذا اتجهتُ وحدي كحشد خاص صاعداً الطوابق الثلاث في أمل و اضطراب يتناوبان تفكيري .

من الطابق السابع إلى الثالث إلى السادس إلى الرابع  إلى الخامس مرة أخرى ؛ حيث لم تعد فكرة استخدام المصعد أو الوقوف أمامه مطروحة إلا كرفاهية

لا تناسب الحدث الأليم الذي يحيطني ، حيث اكتملت دائرة تعذيبي ، حيث اتخذتُ لوناً أحمر ساخناً ، حيث انفصلتُ عن جسدي و عمّن حولي و عمّا حولي و أكملت ُ تحركي كمنتَج مبرمج الكترونياً . كنت أتنفس و أمشي و أتلقي التعليمات لأنفذها ،تعلمتُ من أيامي و مشاويري السابقة في المصالح الحكومية ألاّ أفتح نقاشاً أو أنهيه أو أشترك فيه . فقط انظر بحماس مستمر للموظف المهيب و أَنصت معجباً مندهشاً ؛ ثم نفّذ ما يُطلب منك ، و ما يُطلب منك فقط ، لا تزد حرفاً و لا تُنقص حرفاً ، حينها فقط ، ربما تحصل على ما تريد .

حين عُدتُ للمرأة السمينة صاحبة النقاب كنتُ مستسلماً تماماً و مستعداً حتى النهاية لأية أوامر . و لم يكن مطلبها صعباً أو مستغرباً، فكل ما عليً فعله هو أن أقف أمام باب المصعد . أنتظره حتى يتوقف ثم أُفسح لها مكاناً حتى تستطيع الصعود للمدير العام لتحاول حل مشكلتي كما أوضَحَتْ.

لم يكن تأخرها -عن التوجه للمصعد و أنا متشبث ببابه حاجزاً مكانها – خاضعاً لإرادتها بالتأكيد ، فقد كانت قدماها الضئيلتان تحملان ما يفوق المئة كيلو جرام بمراحل ، تحمّلتُ سخرية ذي الجلباب الأصفر الفاقع و نظرات الأربعينية التي تحمل في يديها كوبين من الشاي و تمصمص شفاهها في خفوت لاذع ، حتى أنني تحمّلتُ زغدات شاب أصّر على إغلاقي الباب و إلا أغلقه هو فوق يدي و كسرها و كسر عظامي و كسر ما يشاء ،صمتتُ و تجمدت أفكاري و ردود فعلي ، ثم تقدمت ذات النقاب صارخة في وجوههم بأنها صاعدة للمدير العام ؛ فلم ينبس أحدهم بحرف .

لحقتها عن طريق السلالم ككلب مخلص لمالكه ؛ متزلفاً بابتسامة منكسرة ؛ و أنا أنتظرها أمام الغرفة و لا أدخل كما أشارت . و انتظرتُ ؛ و صبرتُ ، و تأملتُ كثيراً .

دربتُ نفسي سابقاً على الانتظار و الصمت ، أتأمل حذائي أو أتعمق بناظريّ في بلاطٍ أرضي أو سقف معلق ، و لم يذهب انتظاري لها بلا جدوى.

فقد فكرت عميقاً  في صديقتي الجميلة ؛ في وجهها الأصفر الشاحب و بسمتها الملتفة ، في بدء تساؤلها عن الاستقرار و نهاية الطريق الطويل  ببداية جديدة

و زواج لا أحتمل التفكير فيه ، في مذاقها الذي تدوم لذته طويلاً؛ ورائحتها التي أدمنتها ،فكرت في  كتبي المتكتلة داخل مكتبتين و أسفل سريرين و فراغ غرفة

و بهو كبير ، كتبي التي قرأتها و لا أذكر منها عبارة تامة ، روايات لا أذكر أسماء أبطالها أو وقائعها ؛ كتب تاريخ و سياسة لا أعرفها إلا إذا قرأت عناوينها فأخمن ما بها تخيمناً لا تذكراً ، و لا أذكر حدثاً واحداً أو اسماً شهيراً ، فكرت في عملي الممل ، أكتب نفس العبارات كل يوم في دوام لا ينتهي و لا يتبدل ، أخضع لأشخاص أكرههم أو أحتقرهم مبتسماً و مبدياً رغبتي في المزيد ، لماذا أتصرف كبائس خاضع للجميع بلا أدنى اعتراض سوى صوت مرتفع يهدأ في لحظات ، بعد نظرة حالمة حاضنة أو تهديد واضح بجزاء

أو عقاب لن أتحمله؟ أي عفريت دسّ في رأسي سكوناً و تسليماً لكل ما أراه غريباً عني وأراني شاذاً في وجودي معه؟  لقد أوصلني انتظارها الممتد لإلهام بنظرات و نظريات  لوجودي وأسبابه و مهامي الواجبة .كانت منحة انتظاري لها قد طالت، حتى أنني أدرت ظهري لباب الغرفة ومشيت بخطوات حادة واضحة نازلاً السلالم الرخامية الباهتة درجة درجة، مشعلاً سيجارتي في تراخ متماسك؛ نافثاً دخانها أمام عينيّ اللامعتين ، متجهاً بكل جسدي نحو البوابة الرئيسية ؛ثم قذفتُ جسدي في حشدي الجديد.

.......

26 أبريل  2018

 

أحمد ثروت

قاص مصري

صدر له

ـ نباتات الأسفلت