wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الجمعة, 11 مايو 2018 11:35

حياة هشّة

كتبه

-1-

 فى السابعة بالضبط من كل صباح, يرن المنبه بصوت أشبه برنين التليفونات العتيقة, يفزعنى صوته المزعح, انتفض وأقفز من فوق سريرى مرتبكا. أدرك خلال ثوان قليلة أن يوما جديدا قد بدأ, وأن الأحلام التى طاردتنى حتى انغمست فيها أضحت ماضيا دون أثر, لا يمكن العودة إليها أو استرجاعها. أخطو نحو جهاز الكمبيوتر وأضغط على زر الفتح قبل أن تتفتح عينى. منذ سنين, قبل انتشار الإنترنت ووجود الفيسبوك, كنت أبدأ أيامى بشكل مختلف,

أتجه نحو السفرة, حيث توجد صحف الأيام الفائتة ملقاة على جانب المنضدة, أسحب أيا منها وأقرأ خبرا بائتا عن هجوم أمريكى على العراق أو أفغانستان, عن توقعات لمباراة انتهت بالفعل, شاهدتها وعرفت كذب تلك التوقعات, عن فيلم توم هانكس القادم أو عن أزمة السينما, أقرأ الخبر بكل تفاصيله, أتبعه بآخر وآخر حتى أفيق. بعد نهاية التسعينيات, باتت الأخبار متكررة ومتشابهة, وكأننى أقرأ صحف العام الماضى أو الذى قبله, فقررت أن أبدأ أيامى بشكل جديد, صرت أسمع مقطوعات من الموسيقى الكلاسيكية, تبدأ نغماتها متزامنة مع سطوع الشمس, مقطوعات لتشيكوفسكى, باخ, بيتهوفن أو موتزارت, أختار مقطوعات صاخبة ذات موسيقى موترة أو روح احتفالية أو نبرة غاضبة, حتى أفيق من سباتى وأنتقل من عالم الأحلام إلى عالم القسوة, ففى الصباح تستيقظ فى هذه المدينة من حلم سئ لتبدأ حلما سيئا آخر كما يقول ايتالو كالفينو. كانت الصحف ومن بعدها الموسيقى بمثابة مرحلة انتقالية بين العالمين, أو الحلمين السيئين.

   إلا أنه مع انتشار ما اتُفق على تسميته بوسائل التواصل الاجتماعى, اختلط الواقع بالخيال, الحقيقة بالحلم, وتلاشت الحدود بينهما, أو أصبحت هشة ضعيفة, فبات كل منا قادرا على صنع شخصيته المتخيلة على صفحته, ربما باسم مغاير, اسمه فى الأحلام, ومن حقه أن يروى أحلامه كحقائق, يسردها كوقائع, ويتداولها أصدقاؤه فيما بينهم. هكذا يضطرب الخط الفاصل بين الحلم والحقيقة, يتهدم الحائط بينهما أو يصبح شفافا غير مرئى, فتختلط علينا الحياة, وتتوه الحقائق وسط الأحلام.

إلا أننى فى صباح اليوم, وبعد أن ضغطت على الأزرار اللازمة للوصول إلى حسابى على الموقع الأزرق, أخبرتنى رسالة جافة قصيرة أنه قد تم حظر حسابى بسبب اختراقى لقوانين الموقع وسياساته.

 

-2-

  تعرفت على ريهام منذ أسابيع قليلة, بشكل افتراضى, أرسلت لها طلب صداقة, ربما لا تكون كلمة (صداقة) مناسبة إلا أنها كلمة أنيقة تصلح كغطاء لذلك التعارف غير البرئ, ويبدو أن ما أنشره على صفحتى من قصص وحكايات – أغلبها غير حقيقى – قد لاقى إعجابها, فقبلت الطلب. ظللتُ أتابعها لأيام, أترقب خطاها, فتعرفت على اهتماماتها, مطربيها المفضلين, موقفها السياسى, حبها لباسم يوسف, وكرهها للمسلسلات التركية, وأخذت أكوّن عنها صورة أوضح يوما تلو الآخر, حتى تحينت اللحظة التى تصورتها مناسبة لمحادثتها. تبادلنا بعض الجمل بترقب وحذر, وتكرر الأمر لأسبوع أو اثنين.

 بالأمس قررت أننى فى اليوم التالى سأطلب منها رقم هاتفها, وبعد أيام سأسألها أن نلتقى, نشرب القهوة فى مكان لا يقدم قهوة جيدة, ولكنه يوفر مناخا هادئا مناسبا للقاء أول مع فتاة جميلة ذات جسد مثير ومتناسق. بعد شهر سأدعوها إلى السينما, سأقبّلها قبل كلمة النهاية, وفى الشارع سأعترف لها بحبى وسط جموع المارة, بينما يسير الناس على جانبينا بخطوات واسعة دون أن ينتبهوا لوجودنا, تخيلتها فى فستان الزفاف, تخيلت جسدها العارى على السرير, سمعت تأوهاتها, وأحسست ملمس نهديها, ورأيتنا على الشاطئ فى شهر العسل, وتأملت بطنها المكورة أمامها, ولاعبت خالد ومن بعده سلمى فى مهديهما. إلا أن رسالة الفيسبوك صباح اليوم عطلت كل شئ.

 

-3-

  لم أعلم ما الأمر الذى أغضب منى المؤسسة العالمية, إدارة الكون الجديد, ما الذى نشرتُه مخالفا لسياسات الفيسبوك, لم أعرض صورا عارية, لم أدع للعنف أو التمييز العنصرى, لم أزعج المنتجين والناشرين وأصحاب المال الوفير بنشر روابط لأفلام أو روايات مقرصنة, لم أسب أو أقذف أيا من مواطنى الفيسبوك, لم أرسل لأصدقائى الفيروسات, لم أدعُ إلى ثورة ضد قيادات الموقع ونظامه, لم أنشر طاقة سلبية, ولم أدعُ إلى التفاؤل, لم أخدع الناس بأمل كاذب أو أخبار وردية, ولم أواجههم بحقيقة واقعنا البائس, لم أفعل أياً من ذلك.

أرسلت العديد من الإيميلات إلى طاقم الدعم الفنى الخاص بالموقع, ولم أتلق إلا رسائل جافة أخرى, وهو ما زادنى غضبا وأجج عصبيتى, رغم وعدهم بالبحث فى أمرى خلال أسبوع.

  فى نهاية اليوم, سجلت بريدا إليكترونيا جديدا كى أنشئ صفحة بديلة على الموقع الأزرق, أعيد بناء عالمى المنهار. اخترت لنفسى صورة جديدة, تخفى شعيراتى البيضاء المتناثرة, مختلفة عن صورى فى الحساب السابق, ودفعت بتاريخ ميلادى عامين إلى الأمام, كتبت اسمى ثلاثيا فى هذه المرة, لم أشر إلى دراستى للطب واكتفيت بكلمة (قاص) فى خانة المهنة, جلست لساعتين أختار كل التفاصيل, أدقق فيها, أدشن كيانى من جديد, ثم نظرت إلى الصفحة بعد أن أضفت إليها صورا لألبير كامو وألبير قصيرى وسعاد حسنى ومارادونا, وقلت " هذا أنا", ثم صمت للحظة وقلت "هذا ما أحب أن أكونه".   

 

-4-

 كنت أنتظرها فى أثناء مكوثى أمام شاشة الفيسبوك, قد تظهر بأى وقت بين قائمة الأسماء الطويلة, تبرز صورتها وهى ترتدى جيبتها القصيرة وبلوزتها المزركشة, سأصبر لدقيقة او بضع دقائق, قد تتحدث هى أولا, سأظل فاتحا لشباك محادثتها متتبعا تطوره, متمنيا أن يتحول إلى وضع الكتابة.

سأبحث عن أغنية مناسبة, قد تكون لفيروز إن كنا بالصباح أو لعمرو دياب بمنتصف اليوم ومحمد فوزى ليلا, وربما نكتفى بقطعة موسيقية رائقة ومجهولة النسب.

 قبل أن نبدأ محادثتنا, أقلب بين صورها بحثا عن صورتها بالبلوزة البيضاء الهفهافة اللامعة فى ضوء الشمس, أتأملها وأتساءل, هل تفعل مثلى؟ هل تفتح الشباك وتترقب هى الأخرى؟ تروق لى تسمية صندوق المراسلة هذا بالشباك, فهو فعلا أقرب ما يكون إلى ذلك, شباك يملك صاحبه فتحه وغلقه بوجه الزعابيب, ولكنه لا يستطيع منع الرياح من الاصطدام به ليل نهار.

ولكنى الآن لم أعد قادرا على تتبع حركتها كما اعتدت أن أفعل, هل تفتح شباكها الآن؟ ام أن شباكها مشغول مع شخص آخر؟ وماذا يقولون؟ هل تستند على طرف شباكها ويتدلى جسدها الصغير من فوق سوره؟ وهل تنظر إليه بعينيها البنيتين؟ هل هما بنيتان فعلا؟ 

 

-5-

  الخطوة التالية هى البحث عن الأصدقاء, ولمّ شملهم من جديد, كان لى ثلاثة آلاف صديق افتراضى فى صفحتى المغلقة, أما فى الحياة فلا يمكننى أن أعد ثلاثة أصدقاء حقيقيين. رحلة البحث عن ثلاثة ألاف رجل وفتاة, منهم المئات ممن لا يربطنى بهم أى شئ على الإطلاق, هو أمر شبه مستحيل, ولكننى سأبحث عن المعارف الحقيقيين, زملاء العمل, اصدقاء الطفولة, صحبة المقهى, الحسناوات اللاتى لا أنساهن, الفتاة ذات الجسد الملفوف, والسمراء المكتنزة, وأبحث فى صفحة كل منهم عن المزيد من الأصدقاء. وهكذا أشيّد حياتى من جديد, سأكون قادرا فى هذه المرة على أن أستبعد كل من منعنى الحياء من حذفهم فى الماضى, وكذلك ستستبعد ذاكرتى كل من لا يروق لها. صفحتى بيضاء الآن كمولود جديد وأستطيع أن أخطها بما أشاء.

 كانت ريهام أول من بحثت عن اسمها فى تلك المرة, سيكون إغلاق حسابى السابق وعودتى لحياتها بصورة جديدة مادة خصبة للحكى والحديث حتى أكمل خطتى المُعطلة.

 

-6-

  مر أسبوع, لم يرد الموقع على رسائلى وشكواى, إلا أننى فقدت الأمل ولم أعاود المراسلة, ولم أصل إلا إلى أربعمائة من الأصدقاء, تاه الباقون دون سبيل للوصول إليهم, كما أن ريهام لم تقبل طلب الإضافة. لا أعرف السبب, ألا يروق لها حسابى الجديد؟ ألا تعتقد أننى الشخص نفسه الذى حدثته من قبل؟ ألا تحب صورتى التى أبدو فيها أصغر سنا؟ هل تفضل شعرى الأبيض؟ أم أنها أرادت التخلص منى منذ البداية وما أن واتتها الفرصة حتى تحينتها؟؟

 أرسلت رسالة غاضبة إلى إدارة الموقع لما أفسدوه فى حياتى بسبب خطأ غير مفهوم قام به موظف أحمق. بعثتها وانتظرت ردا على قدر ما بثثته من غضب فى رسالتى الأخيرة. عدت للبحث عن أصدقائى القدامى فى أثناء انتظارى, صادفت حسابا لفتاة شقراء بشعر ذهبى وبشرة لامعة, ترتدى فستانا يكشف عن ساقيها ويبرز كتفيها المرمريين, لم تكن فى قائمة أصدقائى الحالية أو السابقة, وللغرابة وافقت على طلب صداقتى فورا. نسيت أمر رسالتى الغاضبة, انشغلت بأمر الشقراء, تخيلتها معى فى السينما, تخيلت القبلة فى نهاية الفيلم, فستان الفرح, جسدها العارى على السرير, ثم خالد وسلمى.

 

ظللت أتقلب فى صفحتها حتى صباح اليوم التالى, ومع شروق الشمس, وصلتنى رسالة جافة أخرى تخبرنى بأسف الموقع لما حدث, إلا أن حسابى السابق قد أُغلق إلى الأبد, علىّ أن أعامله كميت دُفن وواراه التراب, وأبحث لنفسى عن حياة جديدة, مع تحيات إدارة الموقع والموظف المسئول.

أحمد عبد المنعم

روائي مصري

صدر له:

رائحة مولانا ـ رواية

في مواجهة شون كونري ـ قصص

رسائل سبتمبر ـ رواية