wrapper

اخر الأخبار

twitter google youtube

الأحد, 01 ابريل 2018 14:20

شعرية لانتشو بلحم البقر

كتبه

ضياء جبيلي

"يؤمن المزارعون الصينيون بوجود طائر يأتي بالمطر، يسمونه شانغ يانغ، ليس له سوى قائمة وحيدة. ففي الأزمنة الغابرة كان الأطفال يقفزون على قدم واحدة، منشدين: سوف يهطل المطر لأن شانغ يانغ يقفز، إذ قيل أنه يشرب مياه الأنهار لكي يرش بها الأرض مجدداً! " 

كتاب المخلوقات الخيالية – بورخس

ما أن وصل أكرم إلى مدينة قوانغتشو الصينية، حيث كان ضمن الوفد العراقي المشارك في دورة الألعاب الآسيوية للمعاقين، حتى تذكر تلك الأسطورة التي سمعها من جده الحاج عبد الله شو عشرات المرات، منذ أن كان في الخامسة من عمره. لكنها جاءت – بعد ثلاثة عشر عاماً - بمثابة مواساة بائسة يقدمها الجد الحنون لحفيده الجندي الذي فقد قدمه اليسرى إثر انفجار لغم على الحدود العراقية الكويتية في حرب عام 1991. 

***    

منذ أول يوم دخل فيه شو يانغ القادم من مدينة لانتشو الصينية إلى أصفهان، سأل ثلاثة صبية كانوا يلعبون في حديقة الزهور المأهولة بأسراب الفراشات، عن أفضل طعام ملائم للأصفهانيين، فقال الأول البطيخ، وعندما سأله شو عن السبب في تفضيلهم لهذه الثمرة أجابه :

" لأنها حلوة "

وانبرى الثاني قائلاً :

" وبذورها تُزرع "

في حين قال الثالث وهو يشير إلى حمار يجر عربة مليئة بالبطيخ الأصفر الفاقع كانت في طريقها إلى السوق :

" ونطعم قشورها للدواب "

فزمّ شو شفتيه وهزّ رأسه وقد ندت منه أممم قصيرة، انصرف بعدها محدثاً نفسه :

" حقاً أنها أمة شاعرة ! "

قبل أن يسمع أحد الأولاد الثلاثة وراءه يهتف بصوت بالكاد يُسمع :

" وداعاً أيها التنين ! "

لم يلتفت بينما هو يقول ملوحاً بيده من الخلف :

" وداعاً أيها المجوسي "

بعد اسبوعين من التجوال بين المدن الإيرانية وصل شو إلى عبادان، وعبر منها شط العرب إلى البصرة. كان يوماً من أيام نيسان، وكان الوقت ظهراً عندما رأى هناك مجموعة من الصيادين يتناولون غداءهم على مقدمة أحد زوارق الصندل الراسية بمحاذاة الجرف. اقترب منهم، وسألهم بلغة عربية ركيكة تعلمها من طباخ صيني مسلم في لانتشو يدعى ما باو زي، عما يفضله سكان البصرة من طعام. عندئذ، أجابه أحدهم وكان شيخاً ذو سحنة لوّحتها الشمس حتى سالت طيبتها السمراء، كما يسيل الدبس من عذق تمر يتدلى من نخلة برحي على وجه النهر :

" كل الطعام هنا مبارك "

ثم دعاه إلى مشاركتهم الغداء وألح على ذلك زملاءه. بل أن صياداً منهم وثب إلى الضفة وأخذ بيد شو واقتاده إلى مقدمة الزورق ليأكل معهم، ولم يكن يعوزه في تلك الأثناء سوى أن يلقمه أحدهم طعامه، فحدث نفسه بسعادة غامرة، بينما هو يوزع ابتسامته على مضيفيه السمر الذين ملئوا سفرتهم بالسمك المشوي والبصل والخبز والتمر والمخلل :

" هنا، في هذه المدينة سيكون مطعمي " 

في البصرة، في الجزء الذي استحدثه الانكليز وجعلوه مرفأ لهم باسم مارجيل، كانت هناك منطقة تُدعى تشاينا كمب، يسكنها العمال الصينيون الذين جاءوا مع قوات الاحتلال البريطاني منذ عام 1914، حيث أنشأوا هناك بناء تذكارياً على الطراز الصيني أطلق عليه اهل البصرة شفقة العامل.

هناك التقى شو بأبناء جلدته، وسكن معهم فترة من الزمن، كان يخطط خلالها لافتتاح مطعما للأكلات الصينية. ولم يمضِ المزيد من الوقت حتى استأجر دكاناً في سوق الهنود بالعشار، وافتتحه في غضون اسبوعين، علق في أعلاه لوحاً كتب عليهما " مطعم التنين الصيني " باللغة العربية والصينية. إلا أن أحداً لم تجذبه أطباق الشاندونغ والسيتشوان والفوجيان التي كان يطهوها، باستثناء جنديّ بريطاني أو اثنان كانا يزوران المطعم بداعي الفضول. وأما أبناء جلدته من الجالية الصينية فلم يكن لديهم الوقت الكافي ليتركوا أشغالهم في الميناء، ويقطعوا المسافة بين مارجيل والعشار ليتناولوا طبقاً حرّيفاً وحامضاً يتكون من زعانف قروش محمّرة يحصل عليها من الصيادين البصريين مقابل أثمان زهيدة. استمر الحال على ما هو عليه قرابة الشهرين، فما يطهوه في النهار يرمي به في الليل، ولم يكن يجني من كل ذلك العناء سوى المزيد من الخسائر وتسمين كلاب العشار السائبة.

وفي أحد الأيام، بينما هو يستمع إلى تهكم الجنديين البريطانيين اللذين كانا يأكلان بتذمر مصطنع روبيان مع سمك محمر بصلصة طماطم، تذكر شو جواب الشيخ صياد السمك البصري على ضفة الشط يوم دعاه إلى الغداء : " كل الطعام هنا مبارك " ففهم في حينها معنى أن يكون الطعام مباركاً. فاعتكف في حجرته الصغيرة على سطح أحد بيوت مواطنيه في " شفقة العامل " ليخرج بعد ثلاثة أيام بهيأة جديدة، وقد تخلى عن معتقده الكونفشيوسي واعتنق الإسلام، وغير اسمه ليصبح عبد الله شو، إذ لم يأخذ من اسمه الصيني سوى اسم العائلة. صار يرتدي الدشاديش الفضفاضة ويلف رأسه بكوفية، الأمر الذي أزعج سكان تشاينا كمب من ذوي الأعين الضيقة فطردوه، واضطر بعدها إلى السكن في نزل رخيص يقع على مقربة من مطعمه الذي وظف فيه مساعداً محلياً ستيني العمر، وغير اسمه من مطعم التنين الصيني إلى مطعم شعرية لانتشو  بلحم البقر، وهو الطبق الذي تعلمه من استاذه المسلم ما باو زي في لانتشو، وكتب تحت واجهة المطعم : لحم بقر حلال.

خلال أيام تكالب الزبائن على المطعم، ولم يعد الجنديان البريطانيان يتهكمان بعد أن تذوقا طعم الأكلة الجديدة، فراقت لهما، وراحا يروجان لها بين أفراد زملائهم الجنود الذين صاروا يزاحمون الزبائن من سكان المدينة، فكانوا يشكلون معاً طابوراً طويلاً أمام المطعم، من أجل الحصول على طبق شعرية لانتشو بلحم البقر المذكى واللذيذ.

بعد عامين وسّع عبد الله شو مطعمه وجلب ثلاثة عمال آخرين، وازدهرت أكلته وذاع صيتها في أنحاء المدينة، واستمر ذلك لعدة أعوام، فصار سكان تشاينا كمب ينظرون إليه بعين الحسد حتى غادروا البصرة بعد انتهاء خدمتهم، في حين بقي هو الصيني الوحيد المهدد بالترحيل في أي وقت إن لم يحصل على الجنسية العراقية، خصوصاً بعد أن راجت وشايات أصحاب المطاعم الذين شعروا بالتهديد. حينئذ، خطرت له فكرة التزوج بامرأة عراقية، وحصل ذلك بعد فترة قصيرة حين خطب فتاة تدعى وردة وهي ابنة مساعده الستيني. تزوجها وعاشا في بيت صغير في تشاينا كمب، الحي الصغير الذي تركه الصينيون لعمال الموانئ. وبذلك حصل عبد الله شو على الجنسية، وأنجب من زوجته طفلاً وحيداً حمل ملامح العمومة بشكل تام، فظهر بنموذجه الصيني، كما لو أن تنيناً بصقه.

وفي أحد الأيام، استغل عمال المطعم ذهاب عبد الله شو إلى الحج، وتواطؤا مع أصحاب المطاعم المتضررة من طبق شعرية لانتشو ذائع الصيت، فقاموا  بعمل تلك الأكلة بلحم الحمير بدلاً من لحم البقر، فأُبلغ عن ذلك وداهمت الشرطة المكان، وعثروا في المخزن على اكياس مليئة بالحشرات المجففة من صراصير وجراد وخنافس. فأُغلق المطعم واعتُقل عبد الله شو فور وصوله إلى ميناء المعقل قادماً من الحج، وأودع السجن، ولم يخرج منه إلا بعد سنتين، ليُحرم من مزاولة المهنة نفسها. وهو منذ ذلك اليوم يمارس أعمالاً متفرقة قبل أن يحصل في النهاية على وظيفة عامل بصفة وقتية في مصلحة الموانئ القريبة من بيته.

ولا يزال عبد الله شو يعيش أعواماً رتيبة ومملة، ويحن إلى مطعمه، وإلى ذلك الشغف الذي كان يتبّل به طبق شعرية لانتشو بلحم البقر، حتى تزوج ابنه وأنجب له أربعة أحفاد، ذكر أسماه أكرم وثلاثة إناث. حينئذ بدأت حياته تتغير بينما هو يرى أربعة تنانين تملأ البيت بالمرح وتجدد إقباله على الحياة. فكان يجمعهم حوله ويروي لهم حكايات من الصين. أساطير وخرافات ونوادر وتسليات. وفضلاً عن تعليمهم اللغة والأبراج الصينية، كان يحثهم على وضع عيدان الأكل بين أسنانهم من أجل الحصول على ابتسامة صينية مثالية.

ترعرع أكرم في كنف جده منذ أن ولد في عام 1973، خصوصاً في سنوات الحرب العراقية الإيرانية التي كان والده يقضي خلالها خدمته الإلزامية في الجيش. فتعلم على يديه مبادئ الكونغ فو، وتعرف على تاريخ الصين والوصفة السرية لطبق شعرية لانتشو بلحم البقر. لكنه لم يكن حاذقاً بما يكفي لمواصلة الدراسة، فتركها في وقت مبكر وراح يقضي وقته بالعمل لإعانة الأسرة، وما يتوفر من فراغ يقضيه بممارسة هوايته المفضلة – الكونغ فو – في إحدى قاعات التدريب التابعة لنادي الميناء القريب من " شفقة العامل " حيث تسكن عائلته، إلى أن تلقفه الجيش قبل أيام من اندلاع حرب الخليج الثانية، فالتحق إلى أحد مراكز تدريب المشاة في البصرة، ومنها إلى الحدود مع الكويت، حيث انفجر لغم أرضي تحت قدمه اليسرى، فاضطر الأطباء إلى بترها من فوق الركبة. وكان وجه جده الكونفشيوسي التسعيني هو أول ما رآه حينما أفاق من إغماءته. كان يضع واحداً من عيدان الأكل بين أسنانه، كما كان يعلمه في صغره لكي يحصل على ابتسامة صينية مثالية، وينظر إليه بعينين ازداد ضيقهما. وللمرة الألف ربما، راح يروي له أسطورة شانغ يانغ ذو القدم الواحدة، وكيف أنه حُبي بموهبة رش الأرض بالماء على الرغم من عوقه.

مات الحاج عبد الله شو بعد ثلاثة أسابيع، وقد ترك موته الأثر البليغ في نفس حفيده الذي لم يعد قادراً على ممارسة هوايته المفضلة، لكنه لم يكف عن حضور مباريات نادي الميناء بكرة القدم، وممارسة بعض تمارين ذوي الاحتياجات الخاصة، خصوصاً رياضة رفع الأثقال التي برع فيها، وكان يفرغ كل غضبه واحباطه وحزنه من خلالها.

***

انتهز أكرم فرصة وجوده في الصين وغادر  قوانغتشو إلى مدينة لانتشو بعد انتهاء منافسات مسابقة رفع الأثقال. كان من السهل عليه الاندماج مع الصينيين ما دام أن سحنته توحي أنه واحدا منهم، فضلاً عن إجادته اللغة الصينية بفضل جده الحاج عبد الله شو. لفت انتباهه هناك – في لانتشو مسقط رأس جده – ثلاثة أشياء : نهرها الأصفر ومياهه الصاخبة التي تجري على إيقاع النواعير القديمة، حاملة على سطحها أطواف مصنوعة من جلود الخرفان. ومجلة " القراء " غذاء أهل المدينة الروحي التي أسسها قبل أكثر من عقدين مجموعة من المختصين في العلوم. والشيء الثالث الذي يمكن ملاحظته على نحو لافت، هو الدعاية المنتشرة في أرجاء المدينة لطبق شعرية لانتشو بلحم البقر الذي ما زال يتفنن بإعداده أحفاد ما باو زي حتى ذاع صيته على طول البلاد وعرضها، وصار بالإمكان رؤية صورة شعرية لانتشو بأنواعها الخمسة ذات الألوان المميزة : الصافي، والأبيض والأحمر والأخضر والأصفر في كل مكان، حتى على قمم جبال تايشان.

وبفضل تعاطف وطيبة سكان لانتشو وصل أكرم إلى أحد بساتين الفاكهة الوارفة هناك. سأل بعض المارة عن عائلة شو فقيل له أنها عائلة كبيرة يتوزع أفرادها في كل مكان من المدينة. وبينما هو يسلك الطريق بكرسيه الخاص بالمعاقين، بين أشجار الفاكهة المتنوعة، اقترب منه مجموعة من الأطفال يحملون سلالاً مليئة بالخوخ والنارنج، وقفوا أمامه يحدقون إليه بأعينهم العسلية الصغيرة. سألهم عن الطعام الذي يفضله اهل المدينة، فقال أكبرهم بدون تردد :

" شعرية لانتشو بلحم البقر "

ترك أكرم كرسيه ونهض واقفاً على قدم واحدة. وحين رآه الأولاد راحوا ينظرون إلى السماء الملبدة بالغيوم، فهتف أحدهم على نحو مفاجئ :

" سوف يهطل المطر ! "

وصاح آخر بنفس الحماس الطفولي :

" لأن شانغ يانغ يقفز ! "

ثم هتفوا جميعهم، مقطبيّن، بصوت واحد :

" سوف يهطل المطر لأن شانغ يانغ يقفز

  سوف يهطل المطر لأن شانغ يانغ يقفز ! "

أحس أكرم بروح شانغ يانغ تتلبس جسده وتشحذ فيه الرغبة بالقفز، فراح يقفز على قائمته الوحيدة، بينما الأولاد يهتفون حوله :

" سوف يهطل المطر لأن شانغ يانغ يقفز ! "

وهطل المطر.

...............

*نص من المجموعة القصصية "ماذا نفعل بدون كالفينو"