
مبارك حسني*
أحياناً لا تسعف البساطة في تدارك فيلم سينمائي، ووضعه في خانة الفيلم الناجح خلاف ما يكون متوقعاً منه، وبخاصة حين لا يكون صاحبه مخرجاً مغموراً بل فناناً له وجود سينمائي محترم، وأسلوب شخصي في الأفلمة. تؤكد ذلك الجوائز المختلفة التي حصل عليها طيلة أكثر من عقد من الزمن طالما أننا نتحدث هنا عن شريط «الجامع» لداوود أولاد السيد. شريط «الجامع» بسيط السيناريو وبسيط التناول حد التقشف الكبير. وذلك بدءاً من الفكرة التي أوجدته، بالنظر إلى أنه من الأعمال التي نتجت عن ظروف إخراجية أتت صدفة. وهذا الأمر الأخير هو جزء من حكايات الخارج السينمائي، انطلاقاً مما يحيط بالسينما من عوالم وآثار ومخلفات قد تثمر نوادر وقفشات غير متوقعة من الممكن جداً أن تتحول إلى أفلام. فالسينما تكمن في التفاصيل العابرة أيضاً. وفكرة «الجامع» نبتت من انعكاسات فيلم سابق للمخرج نفسه. فهو حين كان يصور فيلمه السابق «في انتظار بازوليني» كان في حاجة إلى ديكور مسجد قروي وهو ما تأتى وتم بناؤه كيفما اتفق أي سينمائياً بمعنى أنه كارتوني لا غير ومظهره الخارجي هو الأساسي والمطلوب. وقد تم تشييد هذا البناء «غير المقدس» فوق أرض مملوكة. لكنه بعد التجسيد سيصير «مُقدساً» بما أنه مسجد. ويبدو الأمر كما لو أن الكلمة فرضت قداستها وتكثفت مع الممارسة بما أن أناساً ارتادوه وأدوا فيه صلواتهم خلف إمام مكرس بواقع الحال.

عبده وازن*
يصرّ أبناء الفنان الكبير منصور الرحباني، مروان وغدي وأسامة، على استعادة إرث- والدهم المتمثل في أعماله الأخيرة منفرداً، وهو كان استعاد أصلاً -إرث- الأخوين رحباني المسرحي المتمثل في الأعمال التي كان لها موقعها وصداها في المسرح الغنائي اللبناني. قد يعلم الأبناء الثلاثة أن -الإرث- الأصلي أصبح من-تراث الفن اللبناني وأن ما يقومون به إنما هو مجرّد تقليد للتقليد الذي قام به منصور مع بعض التطوير في الشكل وليس في الجوهر. وليس من الصدفة أن يحضر طيف منصور الأب في العرض الغنائي الجديد -دون كيشوت- الذي أنجزه الأبناء الثلاثة وافتتحوا به مهرجانات جبيل. لم يكن هنري زغيب، المستشار الثقافي للأخوة الجدد، يحتاج الى أن يلمح في التقديم الذي كتبه لهذا العرض الغنائي، الى أن منصور، -رافق طويلاً في نسج النصّ التأليفي وشارك موسيقياً-، فروح منصور تطل بوضوح، سواء في الحوارات أم في بعض المقطوعات الموسيقية والغنائية الجماعية التي تذكّر أصلاً بالمسرح الرحباني، أم في طريقة المعالجة الدراماتورجية القائمة على الكليشيهات والعناوين والتي تفتقر فعلاً الى البناء والسبك.
إبراهيم الملا
وديع مثل الرهبان ويحمل ابتسامة طفل، ولكنه وفي لحظة مفارقة ومتبدلة يمكن أن يتحول إلى شخص هائج وعصبي لا يمكن التنبؤ بردات فعله العنيفة".. قد يكون هذا الملمح أو النمط الأدائي المرتبط بذاكرة المشاهدة السينمائية هو أحد الأسباب والسمات التي جعلت روبرت دي نيرو حاضرا على الدوام بسحره المخادع، وبغرابة أطواره وجنونه الناعم أيضا، وهو نمط فريد وأخاذ استطاع دي نيرو من خلاله أن يستحوذ على حواس المتفرج، وأن يكون واحدا من أعظم الممثلين الأحياء في الزمن المعاصر والذين ارتبط أسمهم بأفلام مدوخة وصادمة طبعت فترة السبعينات والثمانينات وحتى أواسط التسعينيات من القرن الماضي.
رامى عبد الرازق *
منذ سنوات رفضت الرقابة المصرية عرض الفيلم الأمريكى «قائمة شندلر» من إخراج «ستيفن سبيلبيرج» وكانت دعاوى الرقابة آنذاك أن الفيلم يؤكد دعاوى اليهود فيما يخص الهولوكست ومعسكرات التعذيب، وهى دعاوى لم تثبت صحتها تاريخيا، ومن الممكن أن تسبب بلبلة للجمهور!
ويبدو أن الجمهور الآن قد بلغ سن النضج فى عين الرقابة خاصة مع موافقتها على عرض فيلمين يتحدثان عن نفس الفترة التاريخية- التى أنتجت عنها السينما الياهو- أمريكية العديد من الأفلام.
فيلم «التحدى» أو «الدفاع» كما هى الترجمة الأصلية مأخوذ كما تشير تيتراته عن قصة حقيقية حدثت فى منطقة بيلاروسيا الواقعة على الحدود بين الاتحاد السوفيتى وبولندا.. وذلك إبان الاحتلال النازى لأوروبا الشرقية، وعبر سرد تقليدى نتابع كيف أن ثلاثة إخوة من اليهود البولنديين هم «توفيا» و«زوس» و«إيسيل بيالسكى» استطاعوا أن يقودوا عملية هروب جماعى مستمرة طوال سنوات داخل الغابات الواقعة على الحدود البولندية السوفيتية.
محمود الغيطاني *
ربما كان اقتناع العديد من رجال الأعمال، وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة في الآونة الأخيرة بكون السينما صناعة من الصناعات الثقيلة، القادرة على ضخ المزيد من رأس المال لأصحابها ومن ثم الحفاظ على دورة مالية أكثر حيوية وسرعة؛ كان هو السبب الأساس في ازدياد الإنتاج السينمائي في مصر بالآونة الأخيرة، فضلا عن الإقبال على نوعية من الأفلام كان قد أعرض عنها جل المنتجين؛ وبالتالي كان أصحابها يدورون بها متسولين في محاولة منهم لتنفيذها، إلا أن النتائج كثيرا ما لم تكن مُرضية، فإما تموت فكرة المشروع بأكمله، أو يتم إنتاج الفيلم بالشراكة مع بعض جهات الإنتاج الأجنبية ومن ثم يكون لهم الحق في فرض شروطهم التي يرونها، أو إنتاج الفيلم محليا بعد تقديم الكثير من التنازلات وما إلى ذلك من الأمور، إلا أن المحصلة النهائية لمثل هذه الفوضى هي إعطاء الفرصة لأفلام أخرى تافهة ومتهافتة يُقبل على إنتاجها الكثيرين من المنتجين نظرا لأنهم يرون أن هذه هي النوعية التي يقبل على مشاهدتها جمهور السينما.
أحمد يوسف *
أقسى وأقصى أنواع الخداع هو خداع النفس، وذلك هو الشَرَك الذي أوقعنا أنفسنا فيه بإرادتنا في الفترة الأخيرة، حين صنعنا أوهاما تعاملنا معها على أنها حقيقة، وفي المقابل فإن من الطبيعي عندئذ أن تصير الحقائق بالنسبة لنا أوهاما، وهكذا نظل سادرين في غيِّنا وغيبوبتنا، كأننا نستمتع بهما ولا نريد منهما خلاصا! نحن يا عزيزي القارئ في لحظة شديدة التردي من تاريخنا، ولا أدري ماذا سوف تقول عنا أجيالنا القادمة ولم نترك لهم الحد الأدنى من اليقين بأي قضية، فكانت النتيجة أنهم يبدون كأنهم لا يؤمنون بأي شيء، ولا يعبأون بما نقول صدقا كان أو كذبا، لأننا تركناهم وحدهم في مهب الريح. هذا ما حدث، للمرة المئة بعد الألف، خلال الأسابيع القليلة الماضية في معركتين خسرناهما بالضربة القاضية، الأولى مع عدم فوز المرشح المصري لليونيسكو فاروق حسني، والأخرى مع الخروج المؤسف للفيلم المصري 'المسافر' من مهرجان فينيسيا السينمائي، ليس فقط دون الحصول على جوائز، وإنما أيضا بالكثير من الشائعات والنميمة العلنية والسرية، في الوقت الذي فاز فيه الفيلم الإسرائيلي 'لبنان' بنصيب الأسد الذهبي، الجائزة الكبرى في نفس المهرجان.
الصفحة 1 من 6