فصل من رواية : منتصر القفاش *
فقال الشاب: يا ملكَ الزمانِ أتدري ما بينك وبين مدينتك؟ فقال الملكُ يومان ونصف.عند ذلك قال له الشاب أيها الملكُ إن كنتَ نائمًا فاستيقظْ، إن بينك وبين مدينتك سنةً للمُجِدِّ، وما أتيتَ في يومين ونصف إلا لأن المدينةَ كانتْ مَسْحُورَةً. من " ألف ليلة وليلة "
صمت سائق التاكسي دقائق ثم نطق بكلمة " دنيا "، وتحدث عن أمنيته في أن تصير كل أيام الأسبوع يوم الجمعة، فيستطيع العمل براحته دون التوقف في إشارات كثيرة والاختناق من الزحمة. سمع يحيى هذه الأمنية كثيرا لكنه حينما سمعها بعد زيارة رنا وجد أنها أفضل طريقة ليحكي حكايته. أمنية مستحيلة تتردد دائما كأنها شيء حدث في يوم من الأيام، وتقدر على أن تمد منها حوارا يشاركك فيه أي شخص وتبدوان في طريقكما إلى تحقيقها.عدد يحيى مزايا يوم الجمعة الذي لا ينتهي، والسائق يوافق على كل ما يقوله ويضيف إليه، لم يرغب يحيى في التوقف عن الكلام ولا الوصول بسرعة. تمنى لو ازدحم الشارع فجأة بالعربات ومنعت إشارات المرور انطلاق التاكسي. ظل يتكلم بخبرة من كانت كل أيام حياته يوم الجمعة فقط وإن كان لا يستطيع الكلام عن هذا إلا مع من عاش نفس الخبرة أو على الأقل حلم بها.
منتصر القفّاش *
ظللنا نسير ونحن نحاول ألا نكف عن الكلام، أو بمعنى أصح يندفع محمود متكلما عن أي شيء كلما أوشك صمت أن يخيم علينا، وكنت أساعده بقول تعليقات سريعة تدفع عني شبهة اضطراري للسير معه.
مع مرور الوقت تأكدت أن الموضوع كله مختلق، فلم يحدث شئ لملابسه التى أكد محمود أنها ستبدأ فى التآكل بمجرد خروجنا إلى الشارع، ولم أكرر له شكوكي خوفا من أن يُخرج الملابس المتآكلة من الحقيبة التي يحملها، ويعرضها علىّ أمام الناس ليؤكد حكايته.
- أكيد التمشية هيه السبب.
فهمت ما يريد قوله، لكنني سألته عن قصده لأبدو مهتما. قال إن التآكل يبدأ ما إن يشرع في الخروج إلى عمله أو موعدٍ، المهم أنه يخرج "بجد" وليس للتمشية كما نفعل الآن. وقبل أن أكمل سؤالى عما إذا كان التآكل قادرا على تمييز نوع الخروج، صاح:
- ممكن. ما أنا عايز أفهم.
قالها بصوت عالٍ. لم يلتفت إلينا أحد السائرين، لكننى قلقت من معاودته التحدث بهذه الطريقة كما كان يفعل قبل خروجنا، فمع أي تلميح منى بالشك يبالغ هو فى رد فعله كأنه بمبالغته يريد أن يكون فى مستوى غرابة ما يحدث له.
ظننت حينما بدأ يحكى لى فى الشقة أنه سيهدأ تدريجيا لكن زاد احتداده رغم إشاراتي له أن يخفض صوته، حتى شعرت أن الجيران كلهم عرفوا الحكاية، ودفعنى هذا إلى مقاطعته أكثر من مرة بأسئلة مبالغ فى طولها لأجعله يصمت أو يكف عن الصراخ قليلا، لكنني فوجئت أن أسئلتى دفعته لتكرار ما حكاه من قبل، وإضافة تفاصيل جديدة، فلم يحكِ في البداية - حينما اكتشف حكاية التآكل فى المترو - عن هذا الراكب الجالس الذى انتبه لانسحاب طرفيّ بنطلون محمود إلى أعلى فابتسم، ومع ازدياد التناقص، سأله "إيه ده؟" عندها تأكد أن تآكل البنطلون ليس وهما وأنه من المستحيل مواصلة طريقه إلى عمله.
منتصر القفاش *
كنا أنا وياسر نلعب أدوارنا الأولى في الشطرنج في الغرفة المطلة على الشارع. تعلمناه من أخيه الكبير الذي علمنا أيضا خطة نابليون. تلك الخطة التي لو تمت فإن الملك يموت في أربع خطوات. وعلى الرغم من أننا تعلمناها معا لكن كلا منا كان يبدأ بها متمنيا غفلة الآخر أو نسيانه تحريك قطعة واحدة: عسكري أو حصان أو وزير كي تموت الخطة في مهدها. ولم نستطع تنفيذها إلا مع أصحابنا الذين علمناهم الشطرنج وأخفينا عنهم تلك الخطة، ولم يكتشفوا كيف يواجهونها إلا بعد عدة هزائم.
عندما أتذكر تلك الأدوار الأولى أجد أنني خسرت الكثير منها بسبب تركيزي في سماع الأصوات الآتية من الشارع، والتي يستحيل أن أسمعها من شقتي بالدور الثالث. المسافة لا تذكر بين الدور الأرضي والثالث وكنت أقطعها صعودا أو هبوطا في لمح البصر، لكن الفرق بين الدورين كبير في وضوح الصوت. اثنان يتحدثان وهما يمشيان في الشارع فأسمع بوضوح وأنا جالس في الغرفة صوت أقدامهم المسرعة كما أسمع اختلافهما على وقت الموعد " لسه ناقص نص ساعة "، " هو قال الساعة عشرة يعني دلوقتي ". وكانت تشدني أكثر الكلمات المتطايرة من سيارة مسرعة أسمعها واضحة رغم هدير الموتور. في الألعاب الأخرى مثل الكوتشينة والطاولة كانت سرعة إيقاعها وصخبنا ومشاجراتنا لا تسمح لي بالتركيز في تلك الأصوات. لكن في الشطرنج كنا نتمهل أكثر من اللازم لنقلد الكبار وهو يلعبون ولنحس بأننا نفكر بعمق مثلهم على الرغم من أننا كثيرا وبعد طول تفكير نكتشف ما إن نحرك قطعة أننا أخطأنا. هذا التمهل أتاح لي أن أصغي للأصوات وأترقب ما سيأتي منها. وصرت أتخيل الشارع غرفة كبيرة ملحقة بشقتهم. وكلما ازدادت الأصوات وتتابعت كانت هزيمتي مؤكدة. لكن علاقة ياسر بتلك الأصوات كانت سببا آخر لخسارتي أدوار كثيرة. مرة وقد حل الصمت على الشارع سمعت صوتا خفيضا لشيء يتم سحبه على الإسفلت. وظننت في البداية أنها ورقة يحركها الهواء بشكل متواصل. وكان عليّ الدور في اللعب. طللت من الشباك. رأيت قطة تسحب دجاجة ميتة من جناحها إلى مدخل البيت المواجه لنا. وكانت رأس الدجاجة مطروحة للوراء وجفناها انسدلا بارتخاء على عينيها. ناديت على ياسر ليرى فوصف لي ما أراه دون أن يرفع عينيه عن رقعة الشطرنج. وصاح في:
منتصر القفاش *
رفض أن تكون من الحديد فهو لا يريد قفصا يقف فيه وأصر على أن تبنى بالطوب الأحمر. وأثناء بنائها عندما كان أحد أولاده يسهو ويشير إلى مكان شيء " جنب الشباك" يصحح له فورا " البلكونة " وينبهه بأن عليه نسيان أيام الشباك. صار عم محمود يفضل شرب الشاي فيها وقت المغربية. ويضع علبة السجائر على السور وفوقها الولاعة بعدما يشعل سيجارته. تمنى لو بناها وأولاده مازالوا صغارا " كان سيفرق معاهم كتير " على الأقل كانوا سيحسون أنهم لديهم بلكونة مثل أصدقائهم ويدخلون للعب فيها، هو نفسه الآن يحس بالفرق لاستطاعته أن يطل على الشارع وهو يقف بطوله دون أن يضطر لإحناء جسده على الشباك. وخطر في باله أن أولاده لو كانوا صغارا كانوا سيتضايقون من عدم قدرتهم على مد حبل زينة رمضان من تلك البلكونة إلى الناحية المقابلة، فالحبل المنخفض سينقطع فور مرور عربة نقل أو لو اندفعت ناحيته كرة مرتفعة قليلا. وسيضطرون كما اعتادوا على مد الحبل ابتداء من الدور الأول أو الأفضل من الدور الثاني معلقين في منتصفه فانوس رمضان الكبير. لكن رمضان شهر واحد في السنة وبقية الشهور لا تحتاج إلى زينة. صار يرى الشارع غير مكتمل أو أقل من الصورة التي يتخيله عليها لو انتشرت البلكونات في الأدوار الأرضية. لكنه كان يثق من مجيء يوم تتحول فيه تلك الشبابيك إلى بلكونات، وقد يلجأ إليه أصحابها لاستشارته والاستفادة من خبرته. لم يرحب أحد من أصدقائه بالوقوف معه في البلكونة، فضلوا كما اعتادوا الجلوس على الكنبة في الداخل حيث يستطيعون ثني أرجلهم أو فردها وتحريك أيديهم دون أن تصطدم بشيء، أما في البلكونة فالمكان ضيق بالإضافة إلى أنهم يرون أنفسهم جالسين في الشارع وإن ارتفعوا قليلا في الهواء. ومع إلحاحه دائما يضطرون إلى الوقوف فيها قليلا ويتبادلون معه بضعة كلمات بصوت هامس قبل أن يعاودوا الدخول والتكلم براحتهم. ب
منتصر القفاش *
ثالث مرة اليوم يصطدم أحمد بشخص وهو يسير في الشارع، ويكرر " آسف " مضيفا إليها هذه المرة " معلهش. مستعجل شويه ".
توقف مكانه. وأخرج سيجارة متظاهرا بالبحث عن الولاعة ليطيل وقفته. بالفعل لم ير أيا منهم كأنهم ظهروا لحظتها فقط. لا يستطيع تحديد متى يحدث هذا، في الشهور الأخيرة تكرر على فترات متباعدة، لكن من شهرٍ زاد معدل حدوثه دون أن يعرف كم شخص سيصطدم بهم في اليوم الواحد. وحرص عندما يبدأ الفعل في العمل على أن يبطئ سيره جدا إلى درجة أنه يبدو كمن يتعلم السير، وبهذه الطريقة يضمن ألا يكون الاصطدام قويا ويكاد أن يكون تلامسا يمكن أن يتجنبه الشخص الذي ظهر فجأة أمامه. لا يساعده أن يدقق النظر فيمن يسيرون اتجاهه، فليس من بينهم من سيصطدم به، كأنه يأتي من زاوية لا تصل إليها عيناه أو كأنه لا يرى أحمد أيضا، ويصير الاثنان لا يريان بعضهما إلا لحظة الاصطدام. وكان أكثر ما يقلقه أن تكون الضحية امرأة، خاصةً بعد أن صبت واحدة على رأسه العديد من الشتائم، وفهم من كلامها الموجه للمارة أنها تعرضت يومها للكثير من المعاكسات، وبعدها لجأ أحمد عند اصطدامه بواحدة إلى الاندفاع في الاعتذار بصوت عال ودون توقف حتى يطمئن لابتعادها عنه.
كان سيره ما زال بطيئا ليتمالك نفسه ويحسب عدد الذين اصطدم بهم خلال هذا الأسبوع فقط. وأعاد الحساب مرة أخرى بعد شكه في رقم ثلاثين الذي أوحى له وهو ينطقه بمجيء يوم سيصطدم فيه بكل الناس.
فصل من رواية : منتصر القفاش *
… والجيش
نبات له قضبان طوال خضر،
مملوء حبًا صغيرًا. والجمع جيوش.
" لسان العرب "
1
لم يكن الدخول سهلا.
ربما لأنني تعثرت في درجة حجرية من السلم الصغير. لأنني كنت مسرعا فاصطدمت بأحد يهم بالخروج، أو توهمت أن هناك بابًا.
ظننت الأمر كله في متناول يدي. أن أستعيد تلك الرواية و أرحل.
لن يوقفني شيء سوى ملابسهم الميري و البيادات و الطواقي و صواني التعيين. سأظل أزيحها، وأدفس يدي بينها حتى أصل إلى روايتي عند أرضية الدولاب الإيديال.
لن يكون أحد مستيقظا، منهم من يفترش أرض مكتب السرية، وآخرون توزعوا على فصول المدرسة محيطين أماكن نومهم بالدكك الخشبية على أمل أن يختلسوا مكمنا دافئا، والباقي
- القدامى غالبا – أغلقوا على أنفسهم باب مخزن الكتب، وراحوا في نومهم العميق.
الصفحة 9 من 32